السيد الطباطبائي

104

تفسير الميزان

الامتحان ، والسياق يدل على أن الاستفهام في قوله : ( أهؤلاء من الله عليهم من بيننا ) للتهكم والاستهزاء ، ومعلوم أنهم لا يسخرون إلا ممن يستحقرون أمره ويستهينون موقعه من المجتمع ، ولم يكن ذلك إلا لفقرهم ومسكنتهم وانحطاط قدرهم عند الأقوياء والكبرياء منهم . فالله سبحانه يخبر نبيه أن هذه التفاوت إنما هو محنة إلهية يمتحن بها الناس ليميز به الكافرين من الشاكرين ، فيقول أهل الكفران والاستكبار في الفقراء المؤمنين : أهؤلاء الذين من الله عليهم من بيننا فإن السنن الاجتماعية عند الناس توصيف بما عند المستن بها من الشرافة والخمسة ، وكذا العمل يوزن بما لعمله من الون الاجتماعي فالطريقة المسلوكة عند الفقراء والأذلاء ، والعبيد يستذلها الأغنياء والأعزة ، والعمل الذي أتى به مسكين أو الكلام الذي تكلم به عبد أو أسير مستذلا لا يعتنى به أولوا الطول والقوة . فانتحال الفقراء والاجراء والعبد بالدين ، واعتناء النبي بهم وتقريبه إياهم من نفسه كالدليل عند الطغاة المستكبرين من أهل الاجتماع على هوان أمر الدين وأنه دون أن يلتفت إليه من يعتنى بأمره من الشرفاء والأعزة . وقوله تعالى : ( أوليس الله بأعلم بالشاكرين ) جواب عن استهزائهم المبنى على استبعاد ، بقولهم : ( أهؤلاء الذين من الله عليهم من بيننا ) ومحصله أن هؤلاء شاكرون لله دونهم ولذلك قدم هؤلاء لمنه وأخرهم فكفني سبحانه عن ذلك بأن الله أعلم بالشاكرين لنعمته أي إنهم شاكرون ، ومن المسلم أن المنعم إنما يمن وبنعم على من يشكر نعمته وقد سمى الله تعالى توحيده ونفى الشريك عنه شكرا في قوله حكاية عن قوله يوسف عليه السلام : ما كنا لنا أن نشرك بالله من شئ ذلك من فضل الله علينا وعلى الناس ولكن أكثر الناس لا يشكرون ) ( يوسف : 38 ) . فالآية تبين أنهم بجهالتهم يبنون الكرامة والعزة على التقدم في زخارف الدنيا من مال وبنين وجاه ، ولا قدر لها عند الله ولا كرامة ، إنما الأمر يدور مدار صفة الشكر والنعمة بالحقيقة هي الولاية الإلهية . قوله تعالى : ( وإذا جاءك الذين يؤمنون بآياتنا فقل سلام عليكم ) إلى آخر الآية ،